القرطبي
61
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الآية ذم الخمر ، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية " المائدة " وعلى هذا أكثر المفسرين . قوله تعالى : ( ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون . في الدنيا والآخرة ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( قل العفو ) قراءة الجمهور بالنصب . وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع . واختلف فيه عن ابن كثير . وبالرفع قراءة الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق . قال النحاس وغيره : إن جعلت " ذا " بمعنى الذي كان الاختيار الرفع ، على معنى : الذي ينفقون هو العفو ، وجاز النصب . وإن جعلت " ما " و " ذا " شيئا واحدا كان الاختيار النصب ، على معنى : قل ينفقون العفو ، وجاز الرفع . وحكى النحويون : ماذا تعلمت : أنحوا أم شعرا ؟ بالنصب والرفع ، على أنهما جيدان حسنان ، إلا أن التفسير في الآية على النصب . الثانية - قال العلماء : لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى : " ويسئلونك ماذا ينفقون " سؤالا عن النفقة إلى من تصرف ، كما بيناه ودل عليه الجواب ، والجواب خرج على وفق السؤال ، كان السؤال الثاني في هذه الآية عن قدر الانفاق ، وهو في شأن عمرو بن الجموح - كما تقدم - فإنه لما نزل " قل ما أنفقتم من خير فللوالدين " قال : كم أنفق ؟ فنزل " قل العفو " والعفو : ما سهل وتيسر وفضل ، ولم يشق على القلب إخراجه ، ومنه قول الشاعر : خذي العفو منى تستديمي مودتي * ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فالمعنى : أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة ، هذا أولى ما قيل في تأويل الآية ، وهو معنى قول الحسن وقتادة وعطاء والسدي والقرظي محمد بن كعب وابن أبي ليلى وغيرهم ، قالوا : العفو ما فضل عن العيال ، ونحوه عن ابن عباس . وقال مجاهد : صدقة عن ظهر ( 1 ) غنى ، وكذا قال عليه السلام : " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى " وفى حديث
--> ( 1 ) قال ابن الأثير : " والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام وتمكينا ، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوى من المال " .